الشنقيطي

77

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أحدهما : منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقا . الثاني : التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر ، كالبقرة والشاة ، فتباح ميتة البحري منه ، وبين ما لا يؤكل نظيره في البر كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه ، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر ؛ لعموم قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الحلّ ميتته » « 1 » وقوله تعالى : وَطَعامُهُ [ المائدة : 96 ] ، كما تقدم . وأما مذهب الإمام أحمد - رحمه اللّه - فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال ، والطافي منه وغيره سواء . وأما ما يعيش في البر من حيوان البحر فميتته عنده حرام ، فلا بد من ذكاته إلا ما لا دم فيه ، كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة . واحتج لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البر ، بأنه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ذكاة كالطير . وحمل الأدلة التي ذكرنا على خصوص ما لا يعيش إلا في البحر اه . وكلب الماء عنده إذا ذكّي حلال ، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص . فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلا ، واللّه تعالى أعلم . ومذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه اللّه - أن كل ما يعيش في البر لا يؤكل البحري منه أصلا ؛ لأنه مستخبث . وأما ما لا يعيش إلا في البحر [ وهو الحوت بأنواعه ] فميتته عنده حلال ، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر وطفا على وجه الماء . فإنه يكره أكله عنده ، فما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده ، بخلاف الطافي على وجه الماء . وحجته فيما يعيش في البر منه : أنه مستخبث . واللّه تعالى يقول : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] . وحجته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في سننه : « حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي ، حدثنا إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه ، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه » اه . قال أبو داود : « روى هذا الحديث سفيان الثوري ، وأيوب ، وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر . وقد أسند هذا الحديث أيضا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب . عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم اه « 2 » . وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر ، وأن تخصيص النص العام لا بد له من دليل من كتاب أو سنة يدل على التخصيص كما تقدم .

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : الدارقطني في الأشربة باب الصيد والذبائح والأطعمة حديث 10 ، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصيد والذبائح 9 / 255 .